حينها، دق ناقوس الخطر عند حزب الله وحلفائه، وسرعان ما اقتحم مؤيدوه ساحات الاعتصام وسط بيروت، إلا أن غضب المواطنين كان أشد وأقوى، وأصبحت أسطورة “التنظيم المقاوم” مجرد خرافة في أعين الكثيرين، إذ تكفلت الأعوام العشرون التي مرت على انسحاب إسرائيل من لبنان، بإيضاح الحقيقة.

فقد تسيّد حزب الله المشهد اللبناني، وجاء بأعوانه إلى السلطة، وفرض إرادته على السياسة الخارجية، وسلطته على الوزارات، وظهرت مخالبه بوضوح عام 2008، حين نشب خلاف عندما حاولت الحكومة السيطرة على شبكة اتصالات تتحكم بها ميليشيا الحزب، وازاحة قائد جهاز أمن المطار المقرب منها، فلجأ إلى البطش واجتاح مسلحوه العاصمة اللبنانية.

كانت هذه نقطة التحول، التي انتهى بعدها عصر العمل من وراء الكواليس، وأصبحت ميليشيا حزب الله صراحة الآمر الناهي، وزجت بمسلحيها في حرب سوريا، وكسرت تعهد الحكومة اللبنانية بسياسية النأي بالنفس، ودانت بالولاء لطهران، وجعلت لبنان ينعزل عن محيطه العربي.

ونتيجة لذلك، اعتبر الكثير من الدول العربية، أن الحكومة اللبنانية أصبحت رهينة لحزب الله أو واجهة ينفذ من خلالها مخططاته، خاصة بعد أن أعلنت دول خليجية إحباط مخططات إرهابية تابعة لحزب الله، الذي امتدت أذرعه إلى سوريا واليمن والعراق.

وقال المسؤول السابق في مكتب مدير الأمن الوطني الأميركي، نورمان رول، إن حزب الله بمثابة ” دولة داخل دولة”، مضيفا أنه “يمتلك أدوات حرب تشكل تهديدا لسيادة لبنان، وهذا وضع يندر حصوله في العالم”.

ونوه إلى أن حزب الله “يسعى للسيطرة على أهم القطاعات الحيوية بما يرضي متطلباته، لكنه لن يسيطر على البلد بأكمله، لأنه إن فعل فإن ذلك سيحرم البلد من المساعدات التي يحتاجها، لبقاء الدولة”.

وتابع: “حزب الله متورط بما يحدث في العراق واليمن، كما اكتشفت دول خليجية مخابئ أسلحة، مثل ما حدث في الكويت منذ سنوات، كان حزب الله مسؤولا عنها، والغاية منها كانت تنفيذ عمليات إرهابية”.

ومع تلك الخطوات، غاب السياح العرب عن لبنان وتوقفت الاستثمارات وعملية شراء العقارات، وأوجه الوجود العربي في البلاد، وبالتالي تأثر اقتصاد البلاد وبدأت تدريجيا مؤشرات الانهيار بالظهور.

وقال وزير الداخلية اللبناني السابق زياد بارود، لـ”سكاي نيوز عربية”: “من الخطأ أن يعزل لبنان نفسه عن محيطه العربي، لطالما كان لبنان في حالة من الوئام مع الدول العربية، والكلام عن النأي بالنفس واقعي ويعني أن لبنان متضامن عربيا، لكنه ليس مضطرا للدخول في لعبة المحاور، خاصة انه غير قادر على كلفة الدخول فيها”.

وتابع: “كلما اقترب لبنان من الإجماع العربي كلما ربح، وكلما اتخذ مواقف مصطفة مع فريق دون آخر كلما خسر”.

استغلال النظام المصرفي

وتدريجيا، تغلغل حزب الله في القطاعات الحيوية وسيطر على مطار بيروت ومرفأ بيروت، وقد تم الكشف عام 2011 عن خيوط إمبراطورية للمخدرات وتهريب الأموال كونتها الميليشيات، عندما اتهمت واشنطن البنك اللبناني الكندي بالتواطؤ مع حزب الله لتبييض الأموال.

وقال رول في هذا الشأن: ” أصبح البنك اللبناني الكندي وفق معلومات وزارة الخزانة الأميركية، أداة لتبييض الأموال لحزب الله وشركائه، ونتيجة عقوبات الخزانة اختفى المصرف، وهذا مثال على استغلال حزب الله للمؤسسات اللبنانية التي تتحمل في نهاية المطاف عواقب نشاطاته وإيران”.

ويستخدم حزب الله شركات الصرافة لتحويل أرباح بيع المخدرات بأوروبا إلى البنك اللبناني الكندي، الذي يحول جزءا منها إلى تجار يشترون السيارات المستعملة، ويصدرونها بطريقة قانونية لإفريقيا، حيث تباع هناك وتحول الأرباح للبنك اللبناني الكندي.

وكان البنك يحول الأموال لحسابات بأميركا لتمويل شراء مواد استهلاكية من الأسواق الآسيوية، وتصديرها إلى أميركا اللاتينية، حيث تستخدم أرباحها في سداد ثمن المخدرات، وهكذا تستمر العمليات غير الشرعية في حلقة شيطانية، استغل فيها حزب الله النظام المصرفي اللبناني.

كما وظف حزب الله النظام المصرفي في البلاد لمصلحة طهران، إذ قام سفير حزب الله لدى طهران عبدالله صفي الدين، بتسهيل استخدام مسؤولين إيرانيين لخدمات البنك اللبناني الكندي.

سيطرة على المشهد السياسي

في بداياته العلنية، أعلن حزب الله أنه “تشكيل مقاوم” يترفع عن السياسة والسلطة، لكنه قدم مرشحين سرعان ما أصبحوا نوابا في البرلمان ثم وزراء، ثم جاء عام 2016  بميشال عون إلى سدة الرئاسة، وصهره جبران باسيل لوزارة الخارحية.

وبهذا، أصبح جزب الله جزءا من النظام الرئاسي، والمحرك الأساس والقوة الأوحد على الساحة السياسية اللبنانية، فمنذ عام 2011، عمل صراحة على حكم لبنان وأسقط حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري، الذي كان خارج البلاد حينها، وكانت تلك البداية الحقيقية للانهيار.